تجريد غزة من هويتها وحصارها ونسيان مأساتها

23 Nov 2014
23 November 2014

لم تستطع عيناي مفارقة صورة تعرض مشهدا بالغ الدموية، حيث تظهر رجلا يبكي وهو ينظر إلى جسد طفل في عامه الثاني وهو على سرير المستشفى، وتظهر الصورة أن جزءا من الرأس مفقود بسبب إصابته في إحدى الانفجارات. هناك فيديو مصاحب لهذه الصورة لكنني وجدت نفسي غير قادر على مشاهدة ما يعرضه ذلك الفيديو.

إنها واحدة من بين مئات الصور المرعبة التي أتت من وسط الفلسطينيين الأسبوع الماضي بينما كنت أقوم بكتابة أحد التقارير، حيث تجاوز عدد الذين فقدوا أرواحهم من الفلسطينيين حينذاك 400 شخصا، وبلغ عدد القتلى في الجانب الإسرائيلي 20 شخصا.

ويلاحظ أن هذه الهجمات تستهدف بشكل واضح المواطنين الفلسطينيين ظلت مستمرة لعدة سنوات.

بدأ سقوط فلسطين بعد قيام اللورد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا عام 1917 بكتابة خطاب وجهه لإحدى الأسر اليهودية الثرية بالولايات المتحدة معلنا فيه عن دعمه لقيام دولة يهودية في فلسطين.

واعتبر اليهود أن ذلك إشارة لبدء الهجرة إلى وطنهم الجديد. وفي بداية الأمر تخلى بعض الفلسطينيين عن أجزاء من أراضيهم للقادمين من الجدد. كانت بريطانيا في ذلك الوقت منزعجة إزاء وضع فلسطين حيث لم يتخذ أي قرار بشأن طريقة تقسيم البلاد بينما كانت تريد الاستمرار في علاقاتها مع العرب بشكل طبيعي ولذا قامت بإرسال فريق من الخبراء لدراسة الأوضاع.

لكن في واقع الأمر حدث تطور هام في هذه القضية في عام 1945، عندما أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان بعد انتخابه عن دعمه للدولة اليهودية، ثم أعلن بعد مرور عامين عن إجازة خطة لترحيل 100,000 يهودي إلى فلسطين.

وفي بداية الأمر وافقت الأمم المتحدة على الإشراف على المناطق المقدسة بمدينة القدس، لكنها تجاهلت ذلك عندما بدأت بريطانيا في الانسحاب من البلاد، وبعد موافقة الرئيس الأمريكي ترومان على قيام دولة إسرائيل.

وبعد قيام دولة إسرائيل في عام 1948 بدأت حرب لا نهاية لها بين العرب واليهود. وفي البدء كانت غزة تحت الإدارة العسكرية لكن في عام 1994 منحت حقها في الحرية وانسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة وطلب من الأسر الإسرائيلية مغادرته. واليوم يخضع قطاع غزة لحكم حركة حماس، حيث يقل تعداد سكانه عن 2 مليون مواطن فلسطيني يعيشون حياة قاسية بسبب الحصار وصعوبة السفر والتجارة.

انتخبت حماس بواسطة المواطنين الفلسطينيين عام 2005، وذلك في غالب الأمر نتيجة لإحساسهم بأن إسرائيل تميل إلى جانب حركة فتح التي اعتبروها لا تعمل لخدمة مصالحهم. إذن فالاختيار هنا جاء نتيجة لممارسة المواطنين لحقهم المشروع في ظل نظام ديمقراطي. أيضا تعتبر حركة حماس، بالرغم من عدم اتفاقي مع خططها العسكرية، هي الطرف الوحيد الذي يهتم بالاحتياجات الأساسية اليومية للفلسطينيين من ماء وغذاء ودواء ومدارس وغيرها. وبحسب ما يرى الكاتب الإسرائيلي الكبير روفين باز: “ينحصر 90% من عمل حركة حماس في أنشطة الرعاية الاجتماعية والنشاط الثقافي والتربوي”.

وفي عام 1969 كان عمر دولة إسرائيل 21 عاما وكانت تواصل العمل في بناء المستوطنات على أنقاض ممتلكات الفلسطينيين التي دمرتها الآليات الإسرائيلية. حينذاك قالت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير في تصريح للصنداي تايمز: “ليس هناك شيء اسمه الفلسطينيين، ولا يمكن وصف الأمر بأننا جئنا إلى هنا وطردناهم من هذا المكان ثم أقمنا في بلادهم، فهم لا وجود لهم أصلا”.

وما حدث في فلسطين في عام 1948 يمكن مقارنته بما كتبه وليام هيغ وهو يخاطب ناريندرا مودي في الهند وذلك عند موافقته على إقامة دولة الهند الكبرى وضم نيبال إليها. إذن فمن حق الرئيس الأمريكي أن يصف هذه الفكرة بأنها راجحة ويوافق على تهجير خمسة ملايين هندي إلى أراضي نيبال وإجبار أهل نيبال على الرحيل إلى المناطق الجافة غير المأهولة. وبالرغم من وعود الأمم المتحدة لأهل نيبال وتصريحاتها لهم بأن لا يقلقوا وبأنها سوف تقوم بإدارة مناطق تواجدهم وتأهيلهم، إلا أنها فشلت في تنفيذ ذلك وفي وقت وجيز تدخلت الهند واستطاعت الهيمنة على مقدرات نيبال.

هل يبدو ذلك غريبا؟ إنه يبدو كذلك بالفعل، لكن الأمر الواضح هو أن هذه الأحداث وقعت بالفعل.

ومنذ عام 1948 الذي شهد اختفاء دولة فلسطين بشكل مفاجئ، بدأت كفاحها للوصول إلى الاعتراف بها كدولة، وهو الأمر الذي تمت الموافقة عليه بواسطة الأمم المتحدة في عام 2012. واعترض الصهاينة على ذلك اعتراضا قويا، لكن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وجد ترحيبا شديدا من جميع الدول العربية.

وللدفاع عن موقفها أنكرت المنظمات الصهيونية قيامها بالاستيلاء على أراضي وديار الفلسطينيين قائلة إن العديد من الفلسطينيين لا يملكوا هذه الأراضي وأنهم عجزوا عن دفع الإيجارات المستحقة، وهي تعني بذلك أن الأراضي ملكا للحكومة ولذا فيمكن نزعها في أي وقت. من ناحية أخرى هناك عدد من المنظمات اليهودية التي أعلنت عن رفضها لممارسات الصهاينة وقيام إسرائيل باحتلال أراضي الفلسطينيين. وقد أعلنت عن ضم صوتها في بريطانيا إلى المسلمين والمسيحيين والاشتراكيين والليبراليين وجميع الباحثين عن العدالة بشكل عام، الذين يعارضون دوافع إسرائيل وممارساتها القمعية ضد الفلسطينيين.

حصار غزة:

إذا أردنا اتباع الأمانة في إبداء رأينا، فإسرائيل تسمح لمواطنيها بالتصويت، لكن هناك خط واضح يفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكما شهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهي في الواقع سنوات وليس أسابيع، تستخدم إسرائيل تنظيم حماس المسلح كذريعة أساسية لضرب سيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى الفلسطينيين والدور التي تأوي المعاقين. وذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو إلى أبعد من ذلك حين أعلن أن حماس تستخدم المواطنين المدنيين كدروع بشرية. ونجد أن الصياغة نفسها والتي تصف منازل الإسرائيليين بالمستوطنات ومناطقها بالأراضي المحتلة تشير إلى أن المستوطنين اليهود قادمين من مناطق أخرى.

وقد عادت أسرتي قبل وقت قصير من رحلة إلى إسرائيل، وقالت والدتي التي شهدت بعينيها بعض الظلم الذي كان يتعرض له المواطنين بجنوب أفريقيا في عهد النظام العنصري أن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون هو أمر لم تشهد له مثيل من قبل، فهم يعيشون تحت حصار محكم يحيط بهم حزام متين غير مرئي.

فنقاط التفتيش تنتشر بكل مكان في إسرائيل، ويستطيع الزائرون بغرض السياحة والإسرائيليون عبورها بسهولة بعد إبراز هوياتهم، أما الفلسطينيين فيجب عليهم الانتظار لساعات طويلة حتى يسمح لهم بالمرور. وفي بعض الأحيان ينتظر الفلسطينيون لمدة يوم كامل لكي يتمكنوا من الوصول إلى منازلهم علما بأنه في بعض الأحيان يمنعوا من المرور عبر نقاط التفتيش ويجبروا على العودة. والفلسطينيون لا يملكون جوازات سفر وهم منتشرون في جميع أرجاء الكون حيث لا يستطيع كثيرون منهم العودة إلى وطنهم لزيارة أفراء أسرهم.

نسيان غزة وتجاهلها:

يقوم المواطنون في جميع أنحاء العالم بتسيير المسيرات منذ عقود من الزمان دعما لحرية الفلسطينيين. وعندما كنت صغيرا ومتحمسا للأفكار المثالية، كنت أرى أن مثل هذه الأنشطة ستقود إلى تغيير الأوضاع، ولذا كنت أشارك في تلك المسيرات بفخر شديد وأرسم الشعارات على وجهي وأرتدي ملابس كتبت عليها بعض الشعارات أيضا، وكل ذلك كان يحدث بينما كانت إسرائيل تستمر في قتل الأطفال الفلسطينيين مستخدمة صواريخ تم تصميمها لإحداث قدر هائل من الدمار.

ولأن بريطانيا كانت هي القوة الحاكمة في فلسطين في عام 1940 فمن الطبيعي أن يأتي إلى بريطانيا أعداد من الفلسطينيين بعد أن تم إجبار حوالي 600,000 مواطنا فلسطينيا على الرحيل من أراضيهم ليصبحوا لاجئين في أعقاب احتلال إسرائيل لوطنهم. وهذا هو السبب وراء وجود أعداد كبيرة من الفلسطينيين في بريطانيا. وليس من اليسير معرفة أعدادهم بشكل دقيق، لكن عددهم يقدر بحوالي 20,000 شخصا.

وفي كل مرة عندما نقوم بتنظيم مسيرتنا لا يغيب عن المشهد أبدا النائب البرلماني اليساري الراحل توني بن، حيث يخاطب الحشد ويقوم بعرض بعض الأحداث والمذابح التي تعرض لها الفلسطينيون مثل مذبحة صبرا وشاتيلا، تلك الجرائم التي سوف تهتز لها أركان الكون إذا تمت معرفتها بتفاصيلها الحقيقية، وسوف يتوقف الناس عن شراء المنتجات اليهودية، لكن ما يحدث على أرض الواقع هو انشغال الرأي العام العالمي بحياة أحد النجوم أو بوفاة أحد المشاهير، ويتم نسيان الفلسطينيين إلى أن ترتكب ضدهم جرائم مثل تلك التي شهدها قطاع غزة ليعودوا مرة أخرى إلى شاشات الأخبار كمشهد رئيسي، هكذا كان يتحدث توني بن.

والآن مرت عشر سنوات منذ مشاركتي الأخيرة في مسيرة احتجاجية، لكن وجهت لي الدعوة عدة مرات للانضمام إلى بعض المسيرات في أنحاء مختلفة من بريطانيا، وهي مسيرات تضم أناسا ينتمون إلى مختلف مجالات الحياة خرجوا للاحتجاج ضد الهجمات العسكرية القاسية التي ينفذها النظام الإسرائيلي. وبالرغم من أنني أصبحت أقل مثالية وأكثر تشاؤما، إلا أنني أنظر بشيء من الترقب للقلق الدولي إزاء الفظائع التي ترتكب في قطاع غزة، وأتوقع أن تنجح هذه المواقف في هذه المرة في إحداث تغيير على أرض الواقع. وهل يصيب بعض الحياء تلك الجهات التي تدعم إسرائيل بعد عجزها عن إخفاء تلك الجرائم التي ارتكبت ضد النساء والأطفال والمعاقين بذريعة ملاحقة تنظيم حماس المسلح؟ بعد ذلك اكتشفت أن ما كنت أفكر به كان وهما، وذلك بعد ظهور المشاهير والنجوم على شاشات الإعلام والانشغال بأخبارهم.

المنظمة الدولية الخليجية 2014 – جميع الحقوق محفوظة