الهند

23 Nov 2014
23 November 2014

خلال وضعه لحجر الأساس لمشروع سد باكرا نانغال، قال جواهر لال نهرو: “هذا السد يبنى عبر الكفاح القاسي للإنسان من أجل خدمة المجتمع البشري، ولذا فهو يستحق أعظم قدر من الاهتمام، وبإمكانك أن تشبهه بالأماكن العظيمة كالمسجد أو المعبد فهو يثير في نفوسنا الإعجاب والاستحسان”. لكن من المفارقة أنه بعد مرور 49 عاما على اليوم الذي تحدث فيه نهرو بهذه الكلمات لا يزال أصحاب الأراضي التي أقيم عليها السد يركضون من مؤسسة إلى أخرى بحثا عن تعويضاتهم.

وهذا هو ذات المصير الذي واجهه الملايين من الناس الذين تمت التضحية بأراضيهم لبناء السدود وإقامة مشروعات التنمية في مناطق أخرى بالبلاد. وبدلا من أن تشبه بمناطق العبادة يتم تشبيهها بالقبور وهي حقيقة تبدو واضحة في أوتاراخاند التي يوجد بها 98 مشروعا لتوليد الطاقة.

وبالنسبة لحوالي 10,1 مليون من سكان اوتاراخاند الذين يعيش حوالي 69,5 % منهم بالقرى تعتبر السدود ومشروعات توليد الطاقة مصدرا لتوفير فرص العمل. لكن بدلا عن ذلك تؤثر هذه المشاريع سلبا على مصادر رزقهم حيث تغمر المياه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية كما أنها تؤثر على قراهم ومنازلهم. ويعتبر هذا التأثير قويا على حياة الناس خاصة وأن الاقتصاد التقليدي بمنطقة أوتاراخاند يعتمد بشكل كبير على الموارد الطبيعية وهي الأشياء التي تتأثر بصورة مباشرة بالسدود ومشروعات توليد الطاقة حيث تتعرض للضرر بشكل تدريجي. وبالرغم من أن متوسط دخل الفرد في أوتاراخاند لا يتجاوز 900 دولارا (2011-2012) إلا أنه يفوق المتوسط العام على مستوى البلاد في ذات الوقت، وينتج ذلك عن طبيعة النظام الاقتصادي المتبع حيث يعيش عدد كبير من الناس خارج الولاية ويعملون بتلك المناطق، كما توجد هجرة مكثفة إلى خارج الولاية ووصل الأمر إلى أن أصبحت 1065 قرية خالية تماما من السكان.

ولا تتوفر في الوقت الحالي إحصائيات حقيقية عن عدد المتضررين من هذه المشاريع بمنطقة أوتاراخاند، كما لا تعرف مساحات الأراضي التي غمرتها المياه. وبافتراض أن 2000 قرية قد تضررت وأن 100 شخصا على الأقل بكل قرية فقدوا المأوى ومصدر الرزق فإن ذلك يعني أن 2% من سكان الولاية قد تعرضوا للتشريد من ديارهم. لكن هذا الافتراض بعيد عن الحقيقة ويتوقع أن تكون أعداد النازحين أعظم من ذلك بكثير. ويلاحظ أن حكومة الولاية لا ترى من النازحين سوى أولئك الذين يقطنون بالقرى المحيطة بالأنفاق، لكن في واقع الأمر هناك قرى أخرى تأثر سكانها بشكل واضح حيث تصدعت منازلهم وجفت موارد المياه بمناطقهم. إضافة لذلك فقد تم إضعاف السفوح الجبلية بسبب استخدام المتفجرات وزادت الانهيارات الأرضية. لقد أصبحت هذه المشروعات خطرا يهدد حياة الأشخاص الذين يعيشون حولها بشكل دائم.

وإذا أردنا معرفة الأشخاص الذين اضطروا للنزوح من ديارهم بسبب مشاريع التنمية في الهند، فإن حوالي 60 مليون شخص أجبروا على ترك مناطقهم بعد تأثرهم بمشاريع الغابات وبالألغام وتوسع المدن والسدود ومشروعات توليد الطاقة ومساحات الأراضي الخاصة.

إن الخطوات التي اتبعت لإعادة توطين المتضررين لم تنجح في حل مشاكلهم بصورة مرضية، وهي أيضا لم تشمل جميع الأشخاص الذين اضطروا لترك مناطقهم. ففي المناطق التي تأثرت بسد ميغاتهريل تمت إعادة توطين 10% من النازحين وذلك بترحيلهم إلى معسكرات أعدت بصورة مؤقتة في مناطق هاريدوار ريشكيش وغيرها. ويعيش الناس داخل هذه المعسكرات في ظل ظروف سيئة للغاية حيث أقيمت المعسكرات على هوامش المدن وصارت تشبه الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان حيث تغيب عنها الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية ولا توجد بها حتى المراكز الصحية ومراكز البيع بأسعار مخفضة.

هناك مشروع آخر هو مشروع دوليغاغنغا الذي تم إنشاؤه بمنطقة بيثوراغارث في المثلث الحدودي بين الهند ونيبال والصين. قامت بإنشاء هذا المشروع الهيئة القومية للتوليد المائي ونتج عنه فقدان ما يفوق 10,000 شخصا لديارهم ومصادر روقهم. وتمت إعادة توطين هؤلاء المتضررين بمناطق دهرادون وهاريدوار وريكيكش وذلك على هوامش المدن بعد حرمانهم من الشبكات الاجتماعية والطبيعية التي كانت توفر لهم الحماية. وقد اضطر هؤلاء الناس لممارسة المهن اليدوية البسيطة التي يتلقون مقابلها أجرا يوميا وذلك لأن كثيرين منهم باعوا أراضيهم بأسعار زهيدة.

وبالرغم من كوارث عام 2013م نتجت عن الأمطار الغزيرة إلا أن آثارها تضاعفت عدة مرات بسبب السدود ومشروعات توليد الطاقة وعدم الكفاءة في إدارة المشروعات حيث تم إطلاق المياه للتخلص منها بعد احتقان الخزانات. وهي أحداث كشفت قدرة النشاط البشري على إحالة الكوارث الطبيعية إلى دمار هائل لا يوصف.

فالآثار التي نتجت عن إنشاء هذه المشروعات كانت قاسية للغاية على حياة الناس، وذلك بعد أن تم تجاهل سكان هذه المناطق بشكل كامل بعد فقدانهم لمنازلهم وبعد أن انتزعت منهم مصادر رزقهم. وهناك على سبيل المثال قرية جين بمنطقة شامولي، حيث قامت شركة جاي براكاش للتشييد بإنشاء مشروع كبير لتوليد الطاقة بهذه المنطقة تحت شعار “ليس هناك حلم يستحيل تحقيقه”. لكن ما عجز الناس عن تفسيره هو أن السعي لتحقيق هذا الحلم الكبير نتج عنه تحطيم الأحلام المتواضعة لسكان هذه القرى، وهي احلامهم بالعيش في منازلهم الصغيرة وزراعة أراضيهم ورعاية مواشيهم، وأيضا أحلامهم بامتلاك أماكن العبادة الخاصة بهم ومصادر المياه النقية والأودية الخضراء المحيطة بمناطقهم.

والآن ذهبت قرية جين إلى غير رجعة وتلاشت بساتينها ومراعيها ومروجها الخضراء. فالحقول خالية من الزرع والأبقار تجوب الغابات من غير دليل، وصارت منازل القرية جميعها والتي يبلغ عددها 136 منزلا غير صالحة للسكن، ويعيش الناس الآن في بيوت صغيرة للغاية شيدت من الألواح المعدنية بمركز احتياطي يتبع للسكك الحديدية بمنطقة جوشيماث. وفي غياب أي خيار آخر ظلت بعض الأسر تقيم بمساكنها المتصدعة كما اختار البعض الإقامة في الكهوف على سفوح الجبال.

هناك قرى كثيرة شبيهة بمنطقة أوتاراخاند مثل قرى سوبلا وشيركيلا وخيت وهي تحيط بمشروع دوليغانغا في منطقة بيثورغار، وهناك قرى أخرى بمناطق رايثال وباتوري بمقاطعة أوتاركاشي.

إن الأشخاص الذين تم تشريدهم في أوتاراخاند أصبحوا لاجئين داخل ولايتهم ويمكن تصنيفهم كأشخاص نازحين داخليا. ولسوء الطالع ليس هناك منظمة عالمية أو اتفاقية دولية تركز على هذا النوع من القضايا بشكل خاص. ولذا جاء رد الفعل على النزوح الداخلي انتقائيا وغير متوازن وفي أحوال عديدة غير كافي. فهناك أعداد كبيرة من النازحين لم تحظى بأي قدر من العون الإنساني أو أي شكل من أشكال الحماية، وهناك تحديات تعترض المساعدات الإنسانية مثل قضية السيادة الوطنية ووحدة وسلامة التراب الوطني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن من ناحية أخرى هناك النساء والأطفال وكبار السن والمعاقين والمرضى بصورة عامة الذين هم في حاجة عاجلة إلى هذه المساعدات وإلى الدعم والحماية باعتبارهم من المجموعات ذات الأوضاع الهشة في المجتمع.

ولمعالجة هذه القضايا أجازت حكومة الولاية خطة إعادة التأهيل والتوطين عام 2007م التي صحبتها ضجة مدوية لكنها فشلت بالرغم من ذلك في معالجة القضايا الأساسية المتصلة بالتوسع في هذه المشروعات والاستيلاء قسرا على أراضي المواطنين. وتعزز الخطة سلطة الولاية حيث تسمح لها بإتباع مفهوم يبرر لها انتزاع الأراضي والممتلكات الخاصة في أي جزء من أجزاء الولاية بذريعة المصلحة العامة، وهو أمر تمت إجازته عبر قانون الاستيلاء على الأراضي لعام 1894م.

وفشلت تلك السياسات في توفير الحماية الكافية لحقوق الإنسان فيما يتصل بأوضاع هؤلاء النازحين وذلك من عدة جوانب. أولا: لم تتم تغطية القرى الصغيرة التي يقل عدد الأسر فيها عن 400 أسرة وذلك بالمناطق السهلية، وأيضا تلك التي يقل عدد الأسر بها عن 200 أسرة بالمناطق القبلية ومناطق الجبال، ثانيا: لا يملك الناس حق الاعتراض على المشروع الذي سيشردهم من مناطقهم. ثالثا: لا تتضمن هذه السياسة أي ترتيبات لإدخال الأشخاص المتأثرين تحت مظلة التقرير الخاص بتقييم الأثر الاجتماعي لهذه المشروعات. وأخيرا: لا يوجد مفوض مستقل أو جهة تتولى التنظيم والقيام بتقييم الأضرار وترك الأمر برمته في يد المسؤولين البيروقراطيين لكي يحددوا ما هي المصلحة العامة.

وتمثل هذه السياسة فشلا جديدا للدولة في توفير الظروف الملائمة للتنمية ومعالجة النزاعات قبل استفحالها وفي توفير الحماية لحقوق الإنسان. وقد انتقد عدد من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، مثل التحالف الوطني للحركات الشعبية والنقابات الجديدة بالهند وحركة عمال الغابات والمركز الآسيوي لحقوق الإنسان إنشاء هذه المشروعات وسياسات الحكومة إزاء المتضررين، إلا أن الحكومة ردت بإجازة مشروع قانون الاستيلاء على الأراضي وإعادة التوطين لعام 2013م وهي تنظر بترقب إلى الانتخابات القادمة في سبتمبر 2013م.

وفي ظل القانون الجديد الذي يسمح بالاستيلاء على الأراضي يحق للمزارعين وملاك الأراضي الحصول على تعويض يعادل أربعة أضعاف سعر السوق لأراضي المناطق الريفية، وضعف سعر السوق بمناطق المدن. وبينما يجب الحصول على موافقة 80% من أصحاب الأراضي للحصول عليها بهدف إقامة مشروعات خاصة، و70% من أصحاب الأراضي إذا كان المشروع ملكا للدولة. لكن في نهاية الأمر يمتلك المسؤولون البيروقراطيون سلطات واسعة لتحديد ما يقصد بالمصلحة العامة.

وبالرغم من توقف 23 مشروعا عن العمل في أعقاب كوارث عام 2013م قرر الوزير المختص بولاية أوتاراخاند الموافقة على إنشاء مشروعات إضافية. وبدعم من رئيس وحدة المقاضاة والاستحقاق بالولاية تسعى إحدى المؤسسات غير الحكومية للحصول على موافقة الحكومة المركزية للاستمرار في بناء مشروعات توقف العمل بها فيما قبل بالمناطق الواقعة بين أوتاركاشي وغانغوتري على نهر باغيراش، وذلك في أعقاب إعلان الولاية الخاص بتلك المناطق والذي اعتبرها مناطق عالية الحساسية فيما يتصل بالأوضاع البيئية.

فإذا استمر العمل في تلك المشروعات سوف يقود ذلك إلى نزوح الآلاف من الأشخاص وسوف تختفي قرى أخرى عديدة، كما سيتم أيضا تدمير البيئة والحياة الطبيعية بهذه المنطقة التي تتمتع بدرجة ممتازة من النقاء وعدم التلوث. وكما تعلمنا من كوارث عام 2013م سوف تكون النتائج مدمرة وكارثية.